القاضي عبد الجبار الهمذاني

234

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قيل : فيجب أن لا يمتنع تولد المسبب الواحد عن أسباب كثيرة ، وذلك بخلاف قولكم ، لأنه يؤدى إلى جواز وجود الفعل من القادرين وبقدرتين . قيل له : إنه لا يمتنع أن يتولد الألم عن أحدهما لا بعينه : لأنا قد علمنا أن توليد المعنى الواحد عن أسباب لا يصح بدليله ، وقد علمنا أن الآلام تكثر بكثرة الأسباب ، فيجب أن يقال لأجل هذين الأصلين أن أحدهما يولد لا بعينه . فإن قال : كيف يصح ذلك ومن حق السبب أن يكون موجبا ، وتوليد أحدهما لا يمنع الآخر من التوليد . ولو جاز في الشيئين أن يولد أحدهما دون الآخر - والحال ما قلناه - ليجوزن القول بأن مثل السبب من فعلنا لا يكون سببا من فعله تعالى . قيل له : إذا كان من حق هذين السببين أن لا يرجع إلى شرط توليدهما أن يولدا معنيين ، فلا بدّ من القول بأن أحدهما يولد لا بعينه ويصير الآخر لأمر يرجع إلى الشرط في حكم الممنوع من التوليد . ولا يمتنع في السبب ما ذكرناه ، لأنه وإن كان موجبا فقد يصح فيه المنع من الإيجاب . ولا يوجب ذلك قلب جنسه . فكذلك لا يمتنع ما قلناه ، ولا يوجب ذلك فسادا . وإنما ننكر القول بأن مثل السبب من فعل اللّه لا يولد متى وجد على الوجه الّذي يولد ؛ لأنه متى كان كذلك ، فلو لم يولد كان إنما لا يولد لأمر يرجع إلى الفاعل ، وذلك لا يصح . وقد بينا أن في هذا الموضع إنما لم يولد أحدهما لا بعينه لأمر / يرجع إلى كون الشرط شرطا واحدا ، وأن التوليد فيهما بحسب الشرط فصار هذا الحكم معقولا لا يصح لأجله مفارقة أسباب الألم لأسباب سائر المتولدات . فإن قال : فيجب على هذا المذهب لو فعل اللّه تعالى عند فعل العبد هذا التفريق تفريقا من جنسه أن يكون الألم المتولد فعلا للّه وللعبد .